مع حلول عشر ذي الحجة، أعظم أيام الدنيا التي يعد العمل الصالح فيها أحب إلى الله مما سواها، يكثر تساؤل المواطنين حول الأحكام الفقهية الصحيحة المتعلقة بالأضحية. وللإجابة على هذه التساؤلات، خصص فضيلة الدكتور محمد علي البحروني لقاءً فقهياً شاملاً استعرض فيه أبرز الأحكام والضوابط الشرعية لـ “فقه الأضحية”، محذراً من أخطاء شائعة قد تبطل النسك وتجعله مجرد “لحم للاستهلاك العادي”.
النية والتملك بوجه شرعي
أكد الدكتور البحروني أن الأضحية سنة مؤكدة لا ينبغي هجرها بحجة غلاء الأسعار، مشيراً إلى جواز الاقتراض لمن كان قادراً على السداد. وشدد على ضرورة تصحيح النية؛ فلا تُشترى الأضحية للتباهي أو لمجرد اللحم أو مقارنة الأطفال بالجيران، بل يجب أن تكون قرباناً تعبدياً خالصاً لله.
ومن شروط صحتها أن يتملكها المضحي بوجه شرعي؛ فلا تصح الأضحية المشترة بمال مسروق، أو بقرض ربوي، أو بأموال التعويضات الصادرة عن شركات التأمين التجاري.
عيوب تمنع الإجزاء وسن الأضحية
بناءً على التوجيه النبوي، حدد فضيلته العيوب الأربعة المانعة لإجزاء الأضحية وهي: العوراء البين عورها، المريضة البين مرضها، العرجاء البين ضلعها، والعجفاء الهزيلة التي لا مخ في عظامها. وبخصوص مكسورة القرن، أوضح أنها تجزئ عند جمهور العلماء، بينما اشترط السادة المالكية ألا تكون تدمي بغزارة وقت الشراء.
أما بخصوص السن الشرعي، فالأصل هو بلوغ الإبل 5 سنوات، والبقر سنتين، والمعز والغنم سنة كاملة. إلا أن الشريعة رخصت في “الضأن” (الخرفان) فقط النزول إلى سن 6 أشهر (الجذع) بشرط أن يكون الخروف سميناً وبديناً وموفور اللحم، بينما لا يجوز ذلك في الماعز إطلاقاً.
الاشتراك ومساهمة الأبناء في الثمن
فصل الدكتور البحروني في مسألة تشغل الكثير من العائلات التونسية، وهي اشتراك الإخوة أو الأبناء في ثمن الأضحية؛ حيث أكد أن الاشتراك في الملكية لا يجوز إلا في البقر والإبل (حتى 7 أفراد)، أما الشاة والماعز فلا يجوز فيها الاشتراك في الملكية.
وأوضح الفرق بين صورتين:
الصورة الجائزة: أن يجمع الأبناء المال ويقدموه لوالدهم كهدية ليشتري الأضحية وتصبح ملكاً له، ويذبحها الأب باسمه ويشرك أبناءه وعائلته في “الثواب”؛ فهذا جائز شرعاً ومستحب.
الصورة الممنوعة: أن يدفع كل أخ حصة من المال ويشتروا خروفاً واحداً على أنهم ملاك شركاء فيه معاً؛ فهذا لا يجوز في الغنم.
الجمع بين الأضحية والعقيقة ووقت الذبح
وفيما يتعلق بالجمع بين نية الأضحية والعقيقة للمولود الجديد في ذبيحة واحدة، أكد الدكتور أن الراجح عند جمهور العلماء هو عدم جواز الجمع بينهما، فلكل منهما نية مخصوصة ومستقلة.
كما نبه إلى التوقيت الشرعي للذبح، موضحاً أنه يبدأ بعد الفراغ من صلاة العيد وانقضاء الوقت اللازم للخطبة والذبح (حوالي 20 إلى 30 دقيقة بعد الصلاة). وأكد أن من ذبح قبل هذا الوقت ففعلته ليست أضحية بل هو “لحم قدمه لاهله” كما جاء في الحديث النبوي.
نسيان التسمية ومحظورات التعامل مع الجزار
طمأن فضيلته المضحين بأن التسمية (“بسم الله الله أكبر”) واجبة عند الذبح، ولكن من نسيها لرهبة أو ارتباك فإن ذبيحته صحيحة ويجزئه أن يسمي الله عند الأكل منها.
وفي ختام نصائحه، حذر الدكتور البحروني من أمر يقع فيه الكثيرون وهو بيع أي جزء من الأضحية كالجلد أو الصوف أو الرأس، أو إعطاؤها للجزار كجزء من أجرته، مؤكداً أن هذا محرم قطعاً. والواجب هو دفع الأجرة النقدية كاملة للجزار، ويجوز بعد ذلك إهداؤه من اللحم على سبيل الصدقة أو الهدية لا المقايضة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.