بقلم د. منجي البشيني: ذكريات مؤلمة لا تُنسى.. حين يصبح النجاح “خطيئة”

بقلم د. منجي البشيني

بدأتُ مسيرتي المهنية كمدرس مكلف بتوجيه الدروس في جامعة باريس 7، وكانت تجربة غنية منحتني القوة لتحمل ضغوطات العمل التربوي.

ومع زيادة المسؤوليات العائلية بعد الزواج، اجتزتُ مناظرة التوظيف (الكابيس) لأصبح مدرسا لمادة علوم الحياة والأرض، وتدرجتُ بفضل العمل والاجتهاد لأتولى إدارة مؤسسات تعليمية عمومية.

هذا المسار الذي تمنيتُ أن يكون مصدر فخر، تحول إلى طريق مليء بالآلام والظلم.

إن قيادة مؤسسة تربوية بصفتك ممثلاً للدولة وأنت تحمل جنسية مكتسبة وليست أصلية، يحول العمل إلى معركة مستمرة؛ حيث تظل أصولك الأجنبية موضع جدل وريبة، يتسامحون معك ولا يقبلونك كواحد منهم.

ورغم أنني أديتُ رسالتي بكل تفانٍ لفرض احترام قوانين الجمهورية ونقل التعليمات الأكاديمية وتحقيق نجاح التلاميذ، إلا أن “اختلافي” كان خطيئة في نظر البعض، وجعلني عرضة للألقاب الجارحة والازدراء المعنوي اليومي في ممرات العمل بهدف نفي شرعيتي.

لقد واجهتُ النزاعات والعداء الإداري بمفردي، ولم يصبرني على تحمل هذا الوضع سوى عائلتي وأطفالي لتأمين مستقبلهِم.

وأتذكر بألم منصبي الإداري الأول، حين تم تعييني في مؤسسة عجز عن استقرارها عدة مدراء سابقين، وقبلتُ التحدي وقاتلتُ لعامين لتسوية ميزانيتها وإطلاق مشروع “المدرسة المفتوحة”. لكن نجاحي في تحويلها إلى مؤسسة ديناميكية قوبل بضغينة وحسد من مسؤولي الأكاديمية لأنني نجحتُ حيث فشل الآخرون.

لقد استمرت المضايقات والحروب الإدارية ضدي، وتم نقلي إلى مؤسسة أخرى في حي شعبي صعب يغيب فيه الأمن وتنتشر فيه المخدرات، فرفضتُ المنصب حماية لصحتني وكرامتي، مؤثراً تضحيتي بالمال على أن أخسر روحي في نظام عدائي، لينتهي بي المطاف في مؤسسة صغيرة معزولة أمضيتُ فيها تسع سنوات متتالية في “الثلاجة” دون أي دعم أو اعتبار وظيفي.

ومن المواقف التي حُفرت في ذاكرتي، استدعائي من قِبل مفتش الأكاديمية بناءً على تقرير كيدي من سكرتيرة المؤسسة ادعت فيه أنني “أتحدث العربية وأستعمل القرآن” في مكتبي.

والحقيقة أنني استخدمت لغتي الأم وثقافتي لتهدئة والدة تلميذة غاضبة كانت تسب الجميع بالعربية ولا تتقن الفرنسية، فوضعتُ لها حدوداً قانونية وأخلاقية، وهو تصرف كان سيمر طبيعياً لو استعملت الإنجليزية أو العبرية، لكن أصولي جعلت الأمر يبدو سلبياً في عالم ذي وجهين.

اليوم، وأنا أعيش وحدتي، تعود هذه الذكريات لتؤلمني، وأجد في الكتابة وسيلتي الوحيدة للتحرر وحماية نفسي من القلق.

لقد أعطيتُ كل شيء للمدرسة وقيمها، ولم أحصد سوى الازدراء والعزلة، لكنني أعتز بأنهم رغم نجاحهم في عرقلة مسيرتي، لم ينالوا يوماً من شرفي وكرامتي كرجل أدى واجبه كاملاً.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.