5 ملايين ونصف ساكن في تونس الكبرى/ العاصمة والمدن الكبرى تختنق.. والنقل العمومي رحلة معاناة يومية وخسائر مضاعفة

◄ دعوة إلى تكثيف عدد المآوي وتوسعة شبكة المترو الخفيف ومراجعة الأمثلة المرورية وتخصيص ممرات للدراجات وتوسيع الأرصفة

نظرا لاختناق حركة المرور في العاصمة وغيرها من المدن الكبرى أضحى وصول العون إلى إدارته والتلميذ إلى مدرسته والطالب إلى كليته في الوقت المحدد أشبه بالمستحيل بل انها باتت رحلة معاناة يومية، فالمسافة التي كان يقطعها خلال نصف ساعة من الزمن أصبح غير قادر على قطعها في ظرف ساعة وساعتين وربما أكثر.. وأمام استفحال ظاهرة النزوح وضيق الطرقات وارتفاع عدد السيارات مقابل تدني خدمات النقل العمومي جراء ترهل الأسطول والفساد الذي ينخر هذا القطاع، أصبح التنقل للعمل أو للدراسة أو لقضاء شؤون خاصة مهمة شاقة جدا، ونظرا لحالة الإرهاق الدائم من ظاهرة الازدحام أضحى المواطن مستنفرا شديد القلق كثير الغضب.. وإضافة إلى الخطر المحدق بصحته النفسية فإن هذه الوضعية الصعبة أثرت كثيرا على مردوديته وتسببت في خسائر لا تقدر بثمن.
كلفة الازدحام المروري
توفيق رابح الخبير الدولي في شؤون التنمية المستدامة، والأستاذ الجامعي المختص في علم النفس الاجتماعي للتنمية والخبير لدى اليونسكو سابقا قال إن كلفة الازدحام المروري ضخمة جدا، وبين أن هذا المشكل يعد من أعوص المشاكل التي تعاني منها المدن الكبرى في تونس وهو يرجع للبلديات وله تأثيرات اقتصادية واجتماعية كبرى. وأضاف في تصريح لـ «الصباح» أن ضبط قيمة الخسائر الناجمة عن الاختناق المروري ليست بالعملية الهينة بل تتطلب انجاز دراسة وطنية نظرا لأن تأثيرات هذه المعضلة متنوعة.. فهي تتسبب في هدر الوقت وتقليص عدد ساعات العمل الفعلية إضافة إلى نقص المردودية، وزيادة على ذلك فهي تؤدي إلى تضاعف مخاطر التلوث البيئي خاصة في قلب العاصمة والمدن الكبرى.
وذكر الخبير أن البلديات لديها مشاكل متعددة ومتشعبة إلى جانب معضلة التنقل وكلها تتطلب العناية القصوى لتجنب ما هو أسوأ. وأضاف أنه تم الشروع في إعداد دراسة استراتيجية تهتم بواقع المدن التونسية قصد اقتراح كراس شروط خاصة بتنظيم المدن وتهيئتها وفقا لمقتضيات الاستدامة، ويكون هذا الكراس مفتوحا بكيفية تجعل كل بلدية تعمل على وضع خطة حسب ما يتوفر لديها من إمكانيات مادية وبشرية ولوجستية.وفسر الجامعي أن الاختناق المروري مرده ارتفاع عدد السيارات الخاصة مقابل عدم تطور النقل الجماعي، وذكر أن هذا الاختناق يتسبب في مشاكل عويصة إلى ابعد الحدود نظرا لتأثيره السلبي على الصحة النفسية للمواطن وحتى على صحته الجسدية: فالحافلات تشتغل بالغازوال وهو مادة ملوثة أما السيارات فأغلبها قديمة وينبعث منها أكسيد الكربون وهو مادة مضرة بصحة الأطفال والمسنين خاصة.
أي مدينة للمستقبل؟..
ولدى حديثه عن الحلول الممكنة بين توفيق رابح أنه يجب اعتماد نماذج جديدة للتهيئة العمرانية وتوفير المناطق الخضراء وإنشاء مأوي للسيارات وتوسيع شبكة المترو الخفيف وتوفير النقل العمومي بالشكل الكافي لتجنيب المواطن معاناة التنقل ولتخفيف الضغط النفسي عليه.. وأضاف أن معضلة الاختناق المروري جعلت جميع الناس يعانون من الضغط النفسي ويغضبون لأتفه الأسباب كما ان السلوكيات الاجتماعية تغيرت وفقد التونسي الابتسامة وفقدت تونس الخضراء لونها.. وقال إن وزارة الداخلية كشفت مؤخرا إحصائية مثيرة للانتباه تتمثل في وجود 5 ملايين ونصف ساكن في تونس الكبرى أي أن قرابة نصف سكان البلاد يقبعون في العاصمة.
كل المدن مهددة بالغرق
لا يختلف رأي الأستاذ عادل الهنتاتي الخبير الدولي في البيئة والتنمية المستدامة كثيرا عن رأي الخبير توفيق رابح وبين أن الهدف 11 من أهداف التنمية المستدامة البالغ عددها 17 هدفا يرمي إلى جعل المواصلات ميسرة ومتاحة لكل الناس فمن فيهم الفئات الهشة وذوي الحاجيات الخصوصية ومن بين العناصر الهامة في هذا المضمار السلامة المرورية، وهو ما يدعو على حد تعبيره الى التساؤل هل هناك في تونس مدن تنعم بالمواصلات الميسرة والسلامة المرورية وما هي نسبة السكان الذين يستعملون النقل الجماعي وما هي وضعية هذا النقل الجماعي؟ وما هي نوعية العوائق التي تحد من جودة هذه الخدمة؟ وهل ان الأنهج والطرقات سالكة حتى تؤمن خدمات النقل .. وبين أن الدراسة الاستراتيجية التي يجري العمل على اعدادها والمهتمة بواقع المدن التونسية يجب ان تجيب عن كل هذه الأسئلة حتى تتضح الرؤية لأصحاب القرار، فوزارة التجهيز تقر بأن الأنهج والطرقات تتعرض للاتلاف وتتطلب التدخل مرة على الاقل كل خمس سنوات لكن هذا لا يحدث نظرا لضعف الموارد المالية المخصصة للتهيئة. وذكر الخبير أن ما يضاعف معضلة الاختناق المروري مشكلة الفيضانات التي أصبحت تهدد بدورها كل المدن التونسية دون استثناء فكل المدن اصبحت تعاني من هشاشة مرتفعة جدا في علاقة بالفيضانات نظرا لعدم تناسب البنية التحتية مع حجم التساقطات ولارتفاع مستوى البحر الذي ادى الى أن مياه البحر أصبحت تصب في الأودية وهو ما ينجر عنه تعرض المدن المنخفضة على غرار سكرة والمنستير وقابس الى الغرق كلما تهاطلت الأمطار…
وقال الجامعي إنه لا بد من التفكير في حلول جذرية لمشكلة الاختناق المروري لأنها أضحت لا تطاق وتسببت في تراجع مردودية التونسيين في العمل والدراسة فالعامل أصبح يصل الى مقر عمله وهو منهك وخائر القوى وعلى درجة كبيرة من التوتر وآخر شيء يفكر فيه المردودية.. فالمردودية لا يمكن ان تتحسن الا بتحسن جودة الحياة. وقال الهنتاتي إن الحل يكمن في العناية بالنقل العمومي الجماعي وتحسين خدماته وفسر ان اللجوء المفرط لاستعمال السيارات الخاصة مرده رداءة النقل العمومي وقال ان شبكة «الار ا ف ار» مصيبة وفسر أن وزارة التجهيز شرعت في انجازها دون ان تدرس أثرها على سير المياه فهذه الشبكة يمكن ان تتسبب في تعطيل وظائف تجهيزات البنية التحتية. وذكر أن الطرقات رديئة نظرا لعدم التزام المقاولين باستعمال مواد متجانسة في عملية التبليط.
العناية بالبنية التحتية.
رياض الحاج طيب دكتور في التهيئة العمرانية والبيئة ومدير عام المصالح الفنية ببلدية صفاقس قال لـ «الصباح» إن منظومة النقل بتونس هي منظومة غير مستدامة باعتبارها ترتكز على استعمال السيارة الخاصة بصفة ملحوظة وهو ما يؤثر سلبا على البيئة جراء انبعاثات الغازات المضرة بطبقة الأوزون واستهلاكها للطاقات الأحفورية المستوردة من الخارج بالعملة الصعبة والمنتجة للعديد من الغازات السامة والمضرة بالإنسان والبيئة. وأضاف الجامعي أن الاختناق المروري يتزايد من سنة إلى أخرى وهو يستوجب مد طرقات وتشييد الجسور وهي عملية مكلفة ماديا . كما أن تراجع استعمال النقل العمومي بسبب رداءة خدماته ساهم في الفوضى المرورية وفي ظهور أنماط نقل موازية مثل اللواجات والتاكسي الجماعي والتاكسي الفردي والخدمات التي يقدمها بعض المتطفلين على قطاع النقل عبر وسائل نقل لا تستجيب لشروط السلامة. وعلى حد تعبير الدكتور رياض الحاج طيب، يكمن الحل في عكس هذا التوجه أي في دعم النقل العمومي من حافلات ومترو خفيف وتاكسي جماعي وتاكسي بالعداد، وكذلك في مزيد ترشيد استعمال السيارة الخاصة في إطار استراتيجية وطنية للنقل المستدام يقع تجسيمها على المستوى المركزي والجهوي والمحلي، ويجب إعداد مخطط لتجسيم هذه الاستراتجية على المدى القصير والمتوسط والبعيد.
وتقوم الاستراتيجية حسب رأيه على إعادة هيكلة شركات النقل العمومي على المستوى الجهوي والوطني وتطويرها لتحسين خدماتها، إضافة إلى تمكين المواطنين من خدمات ذات جودة بكلفة معقولة، وتنظيم الوقوف والتوقف بالنسبة للسيارات اعتمادا على تعريفة لفترات قصيرة، وانجاز مآوي للسيارات بالنسبة للوقوف لفترات طويلة «نصف حصة أو يوم»، الى جانب الاعتماد على أنماط النقل النظيف مثل استعمال الدراجات الهوائية والمشي على الأقدام وهو ما يتطلب صيانة الأرصفة وتهيئة ممرات خاصة لتأمين سلامة مستعملي الطريق.
مراجعة مخططات النقل
نظرا لأن العاصمة هي الأكثر ازدحاما يتطلب الوضع على حد تأكيد كمال القمري مدير البناء في بلدية تونس انجاز مخطط مروري جديد لمدينة تونس لأن المخطط الحالي تجاوزه الزمن بسبب ارتفاع عدد مستعملي السيارات الخاصة مقابل تراجع خدمات النقل العمومي، فالتسهيلات التي وفرتها الدولة لاقتناء السيارات الخاصة هي التي أدت حسب رأيه إلى هذه النتيجة وذكر القمري أنه يجب الاشتغال على مخطط للنقل الحضري يكون على مدى قصير ومتوسط وبعيد المدى ويحدد فيه الأماكن المخصصة للسيارات والأماكن المخصصة للنقل العمومي والأماكن المخصصة للمترجل، كما يمكن تعميم تجربة شارع دون سيارات على غرار تجربة شارع الحبيب بورقيبة. وأشار محدثنا الى أن بلدية تونس فرضت في تقسيمات عدد من المشاريع الجديدة مثل حدائق تونس والبحيرة مسالك خاصة بالدراجات وتخصيص مساحات واسعة للأرصفة.

تعليقات
جار التحميل...